صديق الحسيني القنوجي البخاري

118

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إنه قوي يفعل كل ما يريده لا يعجزه شيء شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه ولم يرجع إليه ، ثم ذكر سبحانه قصة موسى ليعتبروا فقال : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 23 إلى 27 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 25 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ( 26 ) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أي متلبسا بها وهي التسع التي تقدم ذكرها في غير موضع وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي حجة بينة واضحة وهي التوراة ، وقيل المراد به إما الآيات نفسها والعطف لتغاير العنوانين ، وإما بعضها أي المشهورة منها كاليد والعصا . وأفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات اعتناء بها . إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم لأنهم رؤساء المكذبين بموسى ، ففرعون الملك وهامان الوزير ، وقارون صاحب الأموال والكنوز فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ فيما جاءهم به ، والقائل فرعون وقومه ، وأما قارون فلم يقل ذلك ففي الكلام تغليب ، وكذا يقال في قوله قالوا اقتلوا ، وقال الخطيب كان هذا قول قارون وإن لم يقل بالفعل . فإنه طبع على الكفر ففعله آخرا . فَلَمَّا جاءَهُمْ موسى بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا وهي معجزاته الظاهرة الواضحة قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قال قتادة هذا قتل غير القتل الأول لأن فرعون قد كان أمسك وكف عن قتل الولدان وقت ولادة موسى فلما بعث اللّه موسى وأحس بأنه قد وقع ما وقع ، أعاد القتل على بني إسرائيل غيظا وحنقا فكان يأمر بقتل الذكور وترك الإناث ، ومثل هذا قول فرعون . سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ والمعنى أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه أولا ، زعما منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرته ، ظنا منهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده ، فشغلهم اللّه عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر فأغرقهم اللّه تعالى . وَاسْتَحْيُوا أي استبقوا نِساءَهُمْ للخدمة وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي في خسران وضياع ووبال ، لأنه يذهب باطلا ولا يغني عنهم شيئا ، ويحيق بهم ما يريده اللّه عز وجل وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا ، بل ينفذ عليهم لا محالة القدر المقدور ، والقضاء المحتم واللام إما للعهد والإظهار